"" وجاء شهر رمضان - الغرف برس

أعلان الهيدر

وجاء شهر رمضان

محاضرة نافعة قيمة للشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر- حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إلـٰه إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمَّدًا عبده ورسوله ؛ صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلَّم تسليمًا كثيرًا .

أمَّا بعدُ أيها الإخوة : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إنها ساعة طيبة نجتمع فيها في بيت من بيوت الله لنتذاكر جميعاً أمراً عظيماً وموسما كريماً نستقبله جميعا ونسأل الله جل وعلا أن يبلغنا وإياكم ذلك الموسم على خيرٍ وإيمانٍ وأمنٍ وطاعةٍ لله جل وعلا.

أيها الإخوة: 
إنَّ مثل هذا الجلوس في بيوت الله لتذاكر أمور الدِّين عمومًا وتذاكر مواسم الخير التي يستقبلها المؤمنون لا شكَّ أنّ مثل هذا الاجتماع من الأمور المهمّة التي ينبغي أن تحظى بعنايتنا واهتمامنا لِمَا يترتَّب على ذلك من العوائد الكريمة والخيرات العظيمة والمنافع الجمَّة التي لا تُعدُّ ولا تُحصى. 
وقد جاء في صحيح مُسلم أنّ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج على أصحابه يومًا وهم جلوسٌ في المسجد يتذاكرون فقال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ : (( مَا أَجْلَسَكُمْ ؟)) قَالُوا جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ : ((آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ ؟ )) قَالُوا : وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ : (( أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَةَ)) ؛ فهـٰذه - أيها الإخوة - بشارة عظيمة لمن أكرمه الله تعالى ومنّ عليه بحفظ وقته في المجالس التي تُعقَد في بيوت الله التي أَذِن الله جلّ وعلا أن تُرفَع ويُذكَر فيها اسمه. ومثل هذه المجالس المباركة لابدَّ للمسلم أن يصبر نفسه عليها وأن يقتطع لها من وقته حتى يستفيد وينتفع، وإلَّا إذا كان لاهيًا منصرفًا منشغلًا مُكِبًّا على أمور دنياه التي لا تنتهي فلا يتهيَّأ له معرفة الخير ومعرفة أبواب الخير ومعرفة السُّبل التي يصل من خلالها إلى الخير وإلى ما يُرضي الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى . وفي مثل هـٰذه المجالس يتمُّ التَّوجيه وتأتي الموعظة وتحصل الذِّكرى ويأتي إيقاظ القلب والضَّمير والتَّوجيه إلى الخير وإلى أبواب الخير فينتفع النَّاس ويستفيدون فوائد عظيمة.
أمّا الموضوع الذي جلسنا لأجله واجتمعنا من شأنه فهو عن إقبـال شهـر رمضـان.
وكما تعلمون أنه قد بقي على دخول هذا الشهر المبارك أيامٌ معدودة وأوقاتٌ قلائل، ثم يُظِلُ ويُطلُّ هـٰذا الشَّهر بخيراته العميمة وأفضاله الكريمة وبركاته المتوالية ؛ فشهر رمضان قد أقبل، وإقباله لدى المسلمين له شأن عظيم ووقعٌ كبير في نفوسهم؛ لأنّهم يتشوّفون مجيئه، ويتطلَّعون إلى قدومه، ويتباشرون عند دنوِّه، ويفرحون به إذا دخل فرحًا عظيمًا؛ لِمَا يعلمونه عن هـٰذا الشَّهر وهـٰذا الموسم العظيم المبارك من الخيرات العظيمة والخصائص الجليلة التي تميَّز بها هـٰذا الشَّهر واختُصّ بها من بين سائر الشُّهور، فالمؤمنون يفرحون بمَقْدَمِه فرحًا عظيمًا، ومن أكرمه الله جلَّ وعلا وفسح في أجله ومدَّ في عمره ليصِل ويبلغ هـٰذا الشَّهر الكريم فهـٰذه منّة عظيمة على العبد حيث فَسَحَ له في أجله ومدَّ له في عمره ليشارك النَّاس هـٰذا الموسم العظيم المبارك؛ موسم الطَّاعة والإيمان والتقرُّب إلى الرحمـٰن سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وقد جاء في السُّنة الصَّحيحة أنّ النَّبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كان يبشّر أصحابه بقدوم هـٰذا الشَّهر، فقد جاء في الحديث أنَّ النَّبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول لأصحابه: ((هَذَا رَمَضَانُ قَدْ جَاءَكُمْ تُفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَتُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ وَتُسَلْسَلُ فِيهِ الشَّيَاطِينُ )). 
« هَـذَا رَمَضَـانُ قَـدْ جَـاءَكُمْ » أي إنّ هـٰـذه بشــارة لكـم وتهنئــة لكم وإخبــارًا بأمـرٍ عظيـم حصل لكم وهو أنَّ رمضـان قـد جـاءكـم، جاءكم وأنتم تتمتَّعون بالصِّحة والعَافية ، وتنعمون بالأمن والإيمان والسَّلامة والإسلام ، 
« 
هَـذَا رَمَضَـانُ قَـدْ جَـاءَكُمْ » شهرٌ هو موسـمٌ عظيـمٌ لكم للإقبـال على الله ، ولمحاسبـة النَّفـس ، وللقيـام بطاعة الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وللبُعـد عن الأمور التي حرَّمها الله جلَّ وعلا . 
« 
هَـذَا رَمَضَـانُ قَـدْ جَـاءَكُمْ » ؛ هـٰذه الكلمة من النَّبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فيها تحريـكٌ للقلـوب لتستشعر قيمة هـٰذا الشهر ومكانته وعظيـم منزلتـه، 
« 
هَـذَا رَمَضَـانُ قَـدْ جَـاءَكُمْ » ؛ أي فتهيّئوا له واستعـدُّوا لمجيئـه واستقبلـوه بأحسـن استقبـال وضيِّفـوه بأحسن ضيافة.
« 
هَـذَا رَمَضَـانُ قَـدْ جَـاءَكُمْ » ؛ هـٰذه حقيقة تفتح للإنسان استعـدادًا وتهيُّـؤًا لهـٰذا الموسـم الكـريم ، ودائمًا يبشِّر الناسُ بعضهم بعضًا بقدوم أو إقبال الأمور المهمَّة والأمور العظيمة ليتهيئوا لهـٰذا الأمر وليستعدوا له.

وشهر رمضان هو في الحقيقة ضيفٌ كريم ووافِدٌ عزيز - عزيزٌ على نفسِ كلِّ مؤمن - وكلُّ مؤمن يفرح بهـٰذا الضَّيف، يفرح به فرحه بأعظم ضيفٍ وأكرم وافدٍ عليه، أرأيتم الشَّخص الكريم الذي يتمتّع بالسَّخاء والجُود والبذل والعطاء عندما يقدُم عليه ضيفٌ عزيز - عزيز القدر عالي المكانة رفيع الشأن- عندما يقدُم عليه ضيف هذا شأنه كيف يكون استقباله له؟ وكيف يكون فرحُه به ؟ وكيف تكون ضيافته له؟ 
فشهر رمضان قد جاء - هـٰذا الضيف العزيز - « هَذَا رَمَضَانُ قَدْ جَاءَكُمْ » ؛ أي فتهيّؤوا لضيافته، تهيّؤوا لإكرامه، تهيّؤوا للقيام بحقِّه، هيِّئوا أنفسكم لذلك؛ لأنه كما أنه يأتي سريعًا يذهب سريعًا ويمضي فتهيَّؤوا له، وأعدّوا أنفسكم للقيام بالأعمال الجليلة والطَّاعات النَّبيلة والعبادات التي يسرُّكم أن تلقَوا ربكم تَبَارَكَ وَتَعَالَى بها.

أيها الإخوة: 
شهر رمضان ينبغي على المسلم أن يُحسِن استقباله، وهو -كما قدمت- ضيفٌ ينبغي أن يُستقبَل استقبالًا يليق به، فينبغي على المسلم أن يُحسِن استقبال هـٰذا الضَّيف ، وهنا يتفاوت النَّاس تفاوتًا عظيمًا في كيفية استقبال هـٰذا الشَّهر.
  • ففئةٌ من النَّاس يستقبلون هـٰذا الشَّهر بالإقبال على الأسواق إقبالًا شديدًا ليشتروا أصناف الأطعمة وأنواع المأكولات وأطايب المطاعم ؛ فيتسابقون على الأسواق ويشترون أطعمة ومأكولات بكميَّاتٍ هائلة وكأنهم يستقبلون شهر أكلٍ وشربٍ وتناولٍ للطَّعام، فيشترون شراءً متزايدًا ، حتى إنّ التسوُّق وشراء الأطعمة يزيد في رمضان من النّاس ومن كثير من الأُسَر عن حاجاتهم وعن الأمور التي تكفيهم، ولهذا بعضهم ولاسيما أهل الإسراف تجده يُبذِّر تبذيرًا مَشينًا ويضع على مائدته وسُفرته أنواعًا كثيرة من الأطعمة كثيرٌ منها يُلْقيها وإنما يأكل منها شيئًا قليلًا ؛ فهذا قسمٌ من النَّاس.
  • وقسمٌ آخر إذا أقبل شهر رمضان هيَّؤوا لأنفسهم أدوات اللَّعب واللَّهو والضَّياع ، وهيَّؤوا لأنفسهم أمورًا يشغلون أوقاتهم - الأوقات الثمينة في شهر رمضان - بضياعٍ وتشرُّدٍ وتبذيرٍ للأوقات وإسرافٍ فيها وإضاعةٍ لها فيما لا فائدة فيه؛ بل في كثير من الأحيان فيما فيه مضرَّة محققة ، ويهيئون لرمضان مثل هـٰذه الأمور ويستعدون استعدادًا تامًا قبل مجيء رمضان بمثل هذه الأمور .
  • وهناك آخرون منَّ الله عزّ وجلّ عليهم بتوفيقه وكلأَهم برعايته وأحاطهم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بعنايته ؛ فأخذوا يهيِّئون أنفسهم لرمضان فهو تكثُر أمامه الخواطر ، ويدور في خَلَدِهِ صنوفًا كثيرة من الخيرات ؛ فيبدأ يرتِّب للقرآن وقته، ولذكر الله وقته ، ولقيام اللَّيل وقته ، ولمساعدة المحتاجين وقته ، وللبذل وقته، ولمجالس العلم وقتها فتتزاحم عليه الطاعات حتى إن بعض النَّاس لَيرى أنّ الشهر يضيق عليه، عنده مشاريع كثيرة وأعمال عديدة ومجالات واسعة للقيام بطاعة الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لكنّ الشَّهر يضيق عليه لا يتَّسع لما عنده من أبواب الخير.
  • وهناك أناس يتعاملون مع شهر رمضان تعاملهم مع كلِّ شهر ؛ فيمضي عليهم شهر رمضان كما تمضي عليهم بقيَّة الشُّهور ، حتى إنَّ اللّيلة التي جاء في القرآن أنها خيرٌ من ألف شهر تمضي على كثير من النَّاس مُضِيَّ سائر اللَّيالي ؛ وهـٰذه خسارة فادحة وهُبْلٌ بيِّن وإهدارٌ لما لا يليق بالمسلم أن يُهدِره وأن يُضيِّعه.


ولهـٰذا ينبغي على المسلم أن يُحسِن استقبال هـٰذا الشَّهر ، وأن يُحسن ضيافته، وأن يُهيئ نفسه لأن يكون من أهل هـٰذا الشهر صدقًا وحقًّا «هَذَا رَمَضَانُ قَدْ جَاءَكُمْ تُفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَتُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ وَتُسَلْسَلُ فِيهِ الشَّيَاطِينُ ».

جاء في الترمذي من حديث أبي هريرة عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا كان أول يوم من شهر رمضان كان يقول: ((إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ )) ؛ هكذا قال عليه الصلاة والسلام فتأمّلوا أيها الإخوة ، تأملوا قول النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. 
«وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ » أي أنك قد أقبلتَ واستقبلتَ موسمًا للخير وموسمًا للطاعة فأَقبِل عليه إقبالًا شديدًا واحرص عليه حرصًا عظيمًا، وإيَّاك ثمَّ إيَّاك أن تضيِّع على نفسك هذه الفرصة العظيمة. 
«يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ» فهـٰذا موسم رابِحٌ للخير وتجارته رابحة وإذا ذهب لا يعود.
«وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أقْصرْ» لا يليق بمن يبتغي الشر أو تتحرك نفسه للشر أن يُتيح لها المجال أن تتمادى في شرّها وأن تُسرِف في غيِّها وأن تستمر في ضلالها في هـٰذا الموسم الكريم المبارك.

ولهذا أيها الإخوة بناءً على ذلك نقول: 
إنّ من لم تتحرك نفسه للإقبال على الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى والتوبة والندم، إذا لم تتحرك نفسه عندما يقبل مثل هـٰذا الموسم الكريم فمتى تتحرك نفسه؟! إذا لم تتحرك مشاعره للخير وللإقبال على الخير في مثل هـٰذا الموسم العظيم فمتى تتحرك؟! 
«يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ» فأمامك موسم الخير ؛ بل أمامك أعظم مواسم الخير، 
« وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أُقْصُرْ» فأنت مُقبِل على موسم مبارك وعلى شهر كريم وعلى وقتٍ يتنافس فيه المتنافسون في طاعة الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى والجِدّ في عبادته.
ثم قوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ : « وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ » أي أنّ الله جلّ وعلا كل ليلةٍ من ليالي هـٰذا الشّهر الكريم يُعتِق أناسًا من النار، فيكونون في تلك الليلة عتقاء لله تَبَارَكَ وَتَعَالَى من نار جهنم ، والمسلم تتوق نفسه أن يحظى بهـٰذه المنزلة الرَّفيعة والدَّرجة العالية ؛ وهو أن تُعتَق رقبته من النار - أجارنا الله وإياكم من النَّار- فالمسلم تتوق نفسه أن يكون من عتقاء الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى من النار، وهـٰذا الشهر الفضيل موسم في كل ليلة لله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عتقاء من النار.
أحيانًا يُعلَن في بعض الأماكن عن مسابقات وجوائز ويُجعَل لكلِّ يوم جائزة إمّا ألف ريال أو أكثر أو أقل، وترَون النّاس عليها في هلعٍ شديد وإقبالٍ متزايد ، كلُّ واحدٍ يُقدِّم ويبذل ويُجهِد نفسه ليُحصِّل مع من يُحصِّل ألف ريال أو أقل أو أكثر وليكون من الفائزين، لكن ما يتعلق بالفوز بالآخرة وبالفوز يوم القيامة وبأجر يوم القيامة تقلّ الرَّغبة، وتضعف الهمَّة، وتقصُر إرادة الناس عن مثل هـٰذا الأمر الكريم !! وإلَّا فإن اللَّائق بالمسلم عندما يستمع قول النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 
« لِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ » اللَّائق به أن يتشوَّف لذلك ويحرص على أن يكون من هؤلاء، ويَجدَّ ويجتهد، ويسأل الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى أن يعتق رقبته من النَّار، ويُقبِل على الله جلّ وعلا ليحظى بهذا الموعود الكريم ولينال هذا الأجر العظيم ، ولله عتقاء في كلّ ليلة من ليالي هـٰذا الشهر.

وقد جاء في حديث آخر أنّ النَّبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وصف هذا الشهر بأنه شهر الصَّبر ؛ قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ : ((صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ؛ صَوْمُ الدَّهْرِ)) هكذا قال ، فوصفه بأنه شهر الصَّبر ، ومعنى ذلك : أنَّ للمسلم فرصةٌ عظيمة في هـٰذا الشهر الكريم أن يُروِّض نفسه ويُعوِّد نفسه على الصَّبر بأنواعه كلها: الصَّبر على طاعة الله ، والصَّبر عن معصية الله ، والصَّبر على أقدار الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى .
فهو موسم للصبر، والله جلَّ وعلا يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب ، وشهر رمضان موسم هو أعظم مواسم الصَّبر، فيبدأ المسلم من أوَّل يوم من أيَّام هـٰذا الشَّهر المبارك يعوِّد نفسه على الصّبر:
  • الصّبر على الطاعة، والعبادة، والذّكر، والقرآن، والصَّلاة، والصَّيام، وغير ذلك ممّا أمر الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عباده به .
  • ويعوِّد نفسه على الصّبر عن معصية الله ؛ فيترك مألوفاته والأمور التي اعتادها من طعامٍ وشراب إلى غير ذلك في نهار رمضان ويصبر على ذلك طاعةً لله تَبَارَكَ وَتَعَالَى . 
  • يعوِّد نفسه الصّبر على أقدار الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى المؤلمة ؛ فيعيش في هذا الشهر صابرًا. 

ثم يتخرَّج من هذا الشهر وقد تلقى دروسًا عظيمةً في الصّبر واعتاد أبوابًا كثيرةً من أبواب الصَّبر، وبهـٰذا يكون عائدةُ الشَّهر على الإنسان ليست في الشَّهر وحده وإنَّما تعود عليه بركات الشَّهر وخيرات الشَّهر عمره كلّه وحياته كلِّها؛ لأنَّه روَّض نفسه على الصَّبر وعوَّدها عليه وتعايش مع الصَّبر في أعظم مواسمه، وإذا كان المسلم لا يتحلَّى بالصَّبر في أعظم مواسم الصَّبر وأعظم أبوابه ومجالاته فمتى يصبر؟! 

ولهـٰذا من الأمور المهمَّة التي ينبغي أن يعتني بها المسلم: 
أن يعوِّد نفسه في هـٰذا الشَّهر الفضيل على الصَّبر بأنواعه: الصَّبر على طاعة الله، والصَّبر عن معصية الله، والصَّبر على أقدار الله المؤلمة.

وقد جاء في حديث آخر عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّه وصف شهر رمضان بأنه شهر مبارك ، قال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:((أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ))، والشَّاهد من الحديث وصْف النَّبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لشهر رمضان بأنه مبارك ؛ وبركة هـٰذا الشَّهر تتناول كل لحظة من لحظاته، وكلّ ساعة من ساعاته؛ من أول دخوله إلى أن يخرج وهو كل لحظة فيه مباركة، فيه بركات عظيمة وخيرات عميمة وأفضال كبيرة؛ ومن بركات هـٰذا الشَّهر ما أخبر به النَّبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هـٰذا الحديث أن أبواب الجنّة فيه تُفتَّح، وأبواب النيران تُغلَق، ومردة الشياطين يُصفَّدون؛ وهـٰذه بركة مختصة بهـٰذا الشَّهر لا تكون في غيره من الشُّهور؛ أبواب الجنّة كلها تُفتَّح لا يُغلق منها باب في هـٰذا الشَّهر ، وأبواب النّار كلُّها تُغلق لا يُفتح منها باب في هـٰذا الشَّهر الفضيل، ومردة الشَّياطين يُصفَّدون فلا يستطيع واحدٌ منهم أن يَخلُصَ إلى أحدٍ من النّاس كما كانوا يَخلُصون إلى النّاس في غير هـٰذا الشَّهر. 
وهذه كلُّها بركات عظيمة تشحذ الهمم وتوقد العزائم وتُنشّط النَّاس للإقبال على طاعة الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

ولو أخذنا – أيها الإخوة - نتحدث عن خيرات هـٰذا الشَّهر وخصائصه وفضائله ومكانته لطال بنا الوقت، لكن لننتقل للحديث بعض الشيء عن: ماذا ينبغي علينا أن نستقبل به شهر رمضان ؟ أو كيف يكون استقبالنا لشهر رمضان ؟ 
وفي هذا الأمر أضع بين أيديكم نقاطٍ عديدة ومهمَّة جدًّا:
  • الأمر الأول: ينبغي علينا أن نفرح بهـٰذا الشَّهر عند دخوله، أن نفرح به فرحًا عظيمًا وأن نُسَرَّ لمقْدَمِه وأن يكون له في قلبنا مكانة عالية ومنزلة رفيعة ، وأن نحمد الله جلّ وعلا على أن منّ علينا ببلوغه ، فكم من إنسانٍ كبيرٍ وصغير ذكرٍ وأنثى شهدوا شهر رمضان الذي مضى والشّهور التي قبله ولكن انقطع بهم الأجل فلم يدركوا هـٰذا الشَّهر !! وكانوا يتشوّفون لإدراكه ، فيهم الشباب وفيهم الكبار كانوا يتمنون لو أدركوا هـٰذا الشَّهر ، ولا ندري ربمّا أنَّ بعضنا قد لا يدركه وربمّا أن بعضنا يدرك بعضه لا يدري الإنسان، ولهـٰذا ينبغي أن يحرص المسلم إذا أكرمه الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ومنَّ عليه ببلوغ هـٰذا الشَّهر أن يحرص على حمد الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وشكره على أن منّ عليه ببلوغ الشَّهر .

ولا شك أنَّ بلوغك شهر رمضان وأنت في صحّة وعافية وسلامة وإيمان لا شكّ أن هـٰذه نعمة عظيمة ومنّة كبيرة ينبغي أن تَقْدُر قدرها وأن تعرف مكانتها ؛ وإنَّ من شكرك لنعمة الله عليك في بلوغ هـٰذا الشَّهر العظيم أن تحرص على الجد والاجتهاد في طاعة الله فيه ، بلَّغك الله إيَّاه فاحرص على القيام بحق الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى فيه ؛ من صيامٍ وقيامٍ وطاعةٍ وتقرُّبٍ لله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وبُعدٍ عن الأمور التي حرَّمها الله جلَّ وعلا . فهـٰذا الأمر الأول : أن نستقبل هـٰذا الشَّهر بالفرح والسُّرور والأنس بذلك ، وقد كان من سنة النَّبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أنه إذا رأى الهلال - هلال أي شهر من الشُّهور - يقول: ((اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة الإسلام ربنا وربك الله )) فإذا أكرمك الله عزَّ وجلَّ ودخل هـٰذا الشَّهر الكريم ورأيت هلال رمضان فلتدعو بهذا الدُّعاء المأثور الذي كان يدعو به النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ في كل شهر ((اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة الإسلام ربنا وربك الله ))، وهذا دعاءٌ عظيم تسأل فيه ربَّك سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يبارك لك في شهرك، وأن يمنّ عليك فيه باليُمن والبركة والإيمان والسلامة من الشرور والقيام بحقوق الإسلام على الوجه الذي يُرضي الرَّبّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ؛ فلا شك أن دخولك وبلوغك هذا الشَّهر نعمة عظيمة ينبغي أن تشكر الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عليها وأن تقدرها حق قدرها.

  • ثمَّ من الأمور المهمّة التي ينبغي أن نستقبل بها شهر رمضان المبارك: أن نستقبله بتوبةٍ نصوح من كلِّ ذنبٍ وخطيئة، وكلُّنا أيها الإخوة خطّاء ، كلنا لابد وأن يكون قد بدَر منا تقصير وإسراف وإضاعة وتفريط وإخلالٍ ببعض الأمور، وقد جاء في الحديث عن النَّبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : ((كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ )) فابن آدم لابد له من الخطأ والتَّقصير ؛ لـٰكن خير الخطَّائين التَّوابون ، وشهر رمضان موسمٌ عظيم للتَّوبة إلى الله جلَّ وعلا. وكم من أناس كانوا مُسرفين في أمرهم، مضيِّعين لطاعة ربهم، مقبِلين على أمور كثيرة من المنكرات؛ لـٰكن لما دخل عليهم هذا الشهر العظيم تحركت نفوسهم للخير وأحسُّوا بأهمية الطاعة والإقبال على الله ، ووُجِدَ في قلوبهم النَّدم على التَّفريط في طاعة الله ؛ فتابوا إلى الله جلَّ وعلا توبةً نصوحا ، كم من أناسٍ حصلت منهم التَّوبة النَّصوح التي لم يعودوا بعدها إلى ما كانوا عليه في سالف أوقاتهم حصلت لهم هـٰذه التوبة في هذا الشَّهر الفضيل وفي هذا الموسم الكريم ؛ وإذا كان المفرِّط المضيِّع المقصِّر لم تتحرَّك نفسه للتَّوبة إلى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في مثل هـٰذا الموسم فمتى تتحرَّك نفسه؟! إذا لم تهتزّ مشاعره في مثل هـٰذا الوقت فمتى تهتز ؟! ولهذا شهر رمضان موسم كبير من مواسم التَّوبة إلى الله جلَّ وعلا ؛ فلنستقبل هذا الشَّهر بتوبة نصوح من كل ذنب وخطيئة ، والله جلَّ وعلا لا يقبل التَّوبة من عباده إلا إذا كانت نصوحًا.


والتَّوبة النَّصوح لابد أن يتوفر فيها شروطٌ ثلاثة:
1-النَّدم على فعل الذُّنوب .
2- والعزم على عدم العودة إليها .
3-والإقلاع عنها تمامًا .
فبهـٰذه الشُّروط الثَّلاثة يقبل الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى توبة العبد إذا تاب ؛ أن يُقلِع عن الذنب تمامًا ، وأن يعزم في قلبه وقرارة نفسه ألَّا يعود إليه أبدًا ، وأن يندم ندمًا شديدًا على وقوعه في الذنوب ، فإذا حصلت منه التَّوبة بهذه الشُّروط قُبِلت توبته.
4- ويضيف أهل العلم لهـٰذه الشُّروط الثلاثة شرطا رابعًا إذا كان الذَّنب يتعلق بحقوق الآدميين كأن يكون أخذ منهم مالًا أو تعدَّى على حق من حقوقهم أو نحو ذلك فيُشتَرط في حق من كان كذلك شرطٌ رابع وهو: أن يعيد الحقَّ إلى أهله أو يتحلّلهم منه؛ فمن كان مفرِّطًا مضيِّعًا مقصِّرًا متجاوزًا معتديًا أمامه هـٰذا الموسم العظيم المبارك ليتوب إلى الله جلَّ وعلا . ونسأل الله –جلَّ وعلا- أن يكرمنا وإيَّاكم بتوبة نصوح من كل ذنب وخطيئة.
  • ثمَّ من الأمور المهمَّة التي ينبغي أن نهتم بها في شهر رمضان:

أن نحافظ على الصِّيام الذي هو فريضة هـٰذا الشَّهر، والنّاس يتفاوتون في صيامهم تفاوتًا عظيمًا ، ليسوا فيه على درجة واحدة، وإن كانوا جميعًا يشتركون في الإمساك عن الطعام والشَّراب وسائر المفطِّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشَّمس؛ هـٰذا قدرٌ مشتَرك بين الجميع، لكنَّهم يتفاوتون في تتميم صيامهم وتكميله والإتيان به على الوجه الأكمل الأتم يتفاوتون في ذلك تفاوتًا عظيمًا، وقد سُئل- عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ -في الحديث الصَّحيح : أَيُّ الصَّائِمِينَ أَعْظَمُ لِلَّهِ أَجْرًا ؟ قَالَ: (( أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ ذِكْرًا))، ومن المعلوم أن الصَّائمين يتفاوتون تفاوتًا عظيمًا في ذكر الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وفي الإقبال على الذكر، والإقبال على القرآن، والمحافظة على طاعة الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى؛ من النّاس من يسهر اللَّيل في إضاعةٍ للأوقات وتدميرٍ لها ثم إذا صلّى الفجر - إن كان محافظًا على الصَّلاة - دخل في نومٍ عميق، وربّما إنّ بعضهم يُفوِّتُ صلاة الظُّهر في وقتها وصلاة العصر ، فالناس يتفاوتون في صفة الصيام تفاوتاً عظيماً ، ولهذا ينبغي على المسلم أن يحرص على تتميم صيامه وتكميله وملئِه بذكر الله ، والإقبال على طاعة الله ، والمحافظة على تلاوة القرآن، وحضور مجالس الخير، والجلوس في المساجد، وأن يجاهد نفسه على ذلك مجاهدة عظيمة.
  • ومن الأمور المهمة بل هي أهم ما ينبغي أن يعتني به المرءُ في صيامه:

أن يُحقق قول النَّبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )) ؛ "إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا" هكذا ينبغي أن يصوم الإنسان ، لا يصوم عادة لأنَّ أهله وإخوانه وزملاءه صاموا فيصوم ، ولا يصوم أيضًا لكي لا يُنتقَد ويقال مُفطِر، ولا يصوم مراءاة للنَّاس وحبًّا لمدحهم وثنائهم ، لا يصوم لشيءٍ من هـٰذه الأغراض وإنَّما يصوم إيمانًا واحتسابًا، إيمانًا بالله وإيمانًا بموعود الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى للصَّائمين وأنّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يوفِّيهم أجورهم بغير حساب ، يصوم إيمانًا بأن الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى فرض على عباده الصِّيام ، ويصوم احتسابًا : يحتسب صيامه وأداءه لطاعة الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في هـٰذا الشَّهر العظيم أجرًا وثوابًا عند الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، والصَّائمون لهم أجرٌ عظيم وثوابٌ جزيل عند الله جلَّ وعلا، وقد جاء في الحديث القدسي أنّ الله يقول: «الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»، وهـٰذا يُبيِّن عِظَم ثواب الصَّائمين وكِبَر أجرهم عند الله جلَّ وعلا ، فينبغي على المسلم أن يحافظ على صيامه أشدَّ المحافظة ، وفي الحديث الآخر يقول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ : ((لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ : فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ )) ، سيفرح الصَّائم فرحًا عظيمًا عندما يلقى الله جلَّ وعلا يوم القيامة؛ لأن الله عزَّ وجلّ أعدّ للصائمين أجرًا عظيمًا وثوابًا جزيلًا، بل إنّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى خصَّص للصَّائمين بابًا يدخلون منه إلى الجنّة يسمى باب الريّان كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح الثابت عن النَّبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ، فنعتني بهـٰذا الأمر من أول الشَّهر إلى نهايته نصوم إيمانًا واحتسابًا؛ إيمانًا بالله وبأنّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أوجب علينا الصِّيام، واحتسابًا في نيل الثَّواب والأجر من الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى؛ احتسبْ كلَّ لحظة من لحظات رمضان وكلَّ وقت من أوقاته في نيل ثواب الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وموعوده للصَّائمين القائمين المطيعين لله جلَّ وعلا.
  • ثم أيها الإخوة ؛ من الأمور المهمّة التي ينبغي أن نعتني بها في شهر رمضان: 

أن نكتسب منه وفيه ومن خلاله تقوى الله جلَّ وعلا ، وهـٰذا من أهم الأمور التي شُرِعَ الصّيام لأجلها؛ كما قال الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة:183]؛ فبالصِّيام وأداء هـٰذه العبادة يسلُك المسلم مسلكًا عظيمًا وسبيلًا مباركًا يؤدِّي به إلى تقوى الله جلَّ وعلا ، فالصِّيام فرصة لك لتتزوّد من زاد التَّقوى ولتكون من المتَّقين. 

والتَقوى – أيها الإخوة - : هي أن تعمل بطاعة الله على نورٍ من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نورٍ من الله تخاف عقاب الله . والصِّيام يؤدي بك إلى هـٰذا الأمر، والمحافظة على طاعة الله جلَّ وعلا في هذا الشَّهر تؤدِّي بك إلى هـٰذا الأمر؛ العمل بطاعة الله على نورٍ من الله رجاء ثواب الله ، وترك معصية الله على نورٍ من الله خوف عقابه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

ولنقف – أيها الإخوة - قليلًا لنتأمل كيف أنّ الصّيام يحقق للعبد التَّقوى ويتزوّد من خلاله بزاد التَّقوى ؛ 
المسلم على مدار العام وطول السَّنّة اعتاد في النَّهار على أمور أَلِفَها ، اعتاد على الإفطار وتناول طعام الإفطار في الصَّباح، اعتاد على تناول طعام الغداء ، اعتاد على أنواع من المشروبات أَلِفها اعتاد عليها كل يوم ، أصبحت في أيَّامه أمرًا معتادًا مألوفًا ، لكنّ هـٰذه المألوفات التي اعتادها ما أن يدخل عليه شهر رمضان إلَّا ويتركها مع أنه معتاد عليها وقد ألفها تمام الإلْف !! لـٰكنه يتركها ويمتنع منها تمام الامتناع لا لشيء إلا لنيل ثواب الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وهـٰذه تقوى لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، تجده يمتنع من الطَّعام ويمتنع من الشَّراب حتى ولو كان وحده لا يطّلع عليه أحدٌ من النّاس يكون أمامه طعامٌ يشتهيه وشراب يريده لكنه يمتنع منه ، ولو أكل أو شَرِبَ لَمَا علِم به إلَّا الله ومع ذلك يمتنع طاعة لله، وهذه تقوى لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، فهـٰذا الذي يحصُل من المسلم في نهار رمضان ينبغي أن ينمِّيه في حياته كلِّها مع كل طاعة أمَر الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى بها ومع كل أمر نهى الله جلَّ وعلا عنه ، فأنت الذي امتنعتَ في نهار رمضان عن الطَّعام والشَّراب طاعةً لله ينبغي عليك أن تمتنع عن كل أمر حرّمه الله عليك في كل وقتٍ وحين ؛ فربُّ رمضان هو ربُّ الشُّهور كلها –سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ، والذي يجب أن يُطاع في رمضان يجب أن يُطاع في كل وقت ، فإذا كنت ملكتَ نفسك وحبستها عن معصية الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وتركت مألوفاتك والأمور التي اعتدتها طاعةً لله جلَّ وعلا في نهار رمضان ينبغي عليك أن تعوِّد نفسك على القيام بهذا الأمر في كل وقت وحين .
الامتناع عن الطَّعام والشَّراب وسائر المفطِّرات محلُّه شهر رمضان - يعني محل وجوبه شهر رمضان - من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، أمّا الصِّيام والامتناع والإمساك عن المحرمات فمحلُّه العمر كله ، الصِّيام عن الأمور المحرَّمة التي حرَّمها الله عزَّ وجلّ فهـٰذا ليس مختصاً بوقت دون وقت بل هو واجب على المسلم في حياته كلها ، يجب على كل مسلم أن يصوم عن الحرام في حياته كلها ، في نهار رمضان تصوم عن أمورٍ مباحةٍ لك في غيره ، تصوم عنها طاعة لله لأنَّ الله عزَّ وجلّ أمرك بذلك واحتسابًا لنيل الثَّواب والأجر من الله سُبْحَانَهُ ، لكنّ الصِّيام عن الحرام محلّه حياتك كلّها ، يجب عليك طول حياتك أن تصوم عن كلِّ أمرٍ حرّمه الله عليك ، وأن تجاهد نفسك مجاهدة تامّة للصِّيام عن كلِّ أمر حرّمه الله عليك ، فإذا اعتديت أو تجاوزت أو وقع منك شيءٌ من التَّقصير تدارك نفسك بالتَّوبة والإنابة والرُّجوع إلى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
ولننتبه – أيها الإخوة - هنا كيف أنَّنا نستفيد من شهر رمضان ومن الصِّيام في شهر رمضان في تحقيق التَّقوى لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، حيث إنّ المرء -كما ذكرت - في نهار رمضان يمتنع عن أمورٍ مألوفة له اعتاد عليها تمام الاعتياد يمتنع عنها طاعةً لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، فلماذا لا يمتنع عن الأمور المحرَّمة التي حرَّمها الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عليه في كل وقتٍ وحين؟! وقد سُئل أحد السلف عن أقوامٍ يعبدون الله عزَّ وجلّ في رمضان - يحافظون على الفرائض ويحافظون على الواجبات في رمضان - لكنّه إذا خرج رمضان تخلَّوا عن ذلك وضيَّعوه تمامًا فقال : "بئس القوم لا يعرفون الله إلَّا في رمضان" ، المسلم يجب عليه أن يكون مراقبًا لله مُحافظًا على طاعة الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في شهر رمضان وفي كلّ وقتٍ وحين ، وهذا معنى قوله : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ أيّ لتنالوا من خلال هذا الشَّهر الكريم ومن خلال محافظتكم على طاعة الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى فيه تقوى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
ولهذا شهر رمضان فرصة كبيرة وثمينة لنا جميعاً لنتزوّد من خلاله بزاد التَّقوى ، والله جلَّ وعلا يقول : ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة:197] ويقولُ جلَّ وعلا : ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات:13] . ففرصتنا الثَّمينة في هذا الشَّهر الكريم أن نتزوّد بزاد التَّقوى وأن نتخرّج من مدرسة رمضان متّقين لله تَبَارَكَ وَتَعَالَى متعوّدين على المحافظة على طاعة الله والقيام بأوامره سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
وإنَّك لتعجب غاية العجب من أناس كثيرين إذا دخل رمضان ملئوا المساجد وحافظوا على الصَّلوات ، ثمَّ إذا خرج رمضان ودّعوا ذلك أو ودّعوا أكثره !! تشاهد بعض الأحياء في بعض الأوقات مثل صلاة الفجر تجد الصف ما يمتلئ لكن إذا جئتَ إلى صلاة الفجر في نهار رمضان تجد صفين أو ثلاثة ، فهل هؤلاء كانوا أمواتاً ووُجِدوا في شهر رمضان؟! أو كانوا مسافرين ثمَّ جاؤوا في شهر رمضان ؟ أم ماذا ؟! لا يحافظون على صلاة الفجر مع الجماعة إلَّا في شهر رمضان ! أين هم من المحافظة على هـٰذه العبادة في الشُّهور كلها ؟ ولهذا نقول : فرصة لمن أكرمه الله عزَّ وجلّ ومنَّ عليه بالمحافظة على الصَّلاة وتحركت نفسه للطَّاعة والعبادة وذاق حلاوتها في شهر رمضان أن يُمضي ذلك في حياته كُلّها ليستفيد من شهره الكريم ومن موسمه المبارك ليُحقِّق بذلك المعنى الذي في الآيةِ الكريمة: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ أيّ لعلَّكم تتقون الله عزَّ وجلّ من خلال ما تقومون به من طاعة وتؤدونه من عبادة في هذا الموسم الكريم.

وعلى هـٰذا – أيها الإخوة -:
فالصّيام مدرسة، مدرسةٌ تربويةٌ مباركة يتخرَّج فيها المؤمنون المتَّقون، ويتزوّد فيها المؤمنون بأعظم زاد ، زاد يمضي معهم في حياتهم كلِّها وفي أيَّامهم جميعها ، ومدرسة الصّيام لا يستفيد منها كثيرٌ من النّاس !! تمضي عليهم هـٰذه المدرسة وهم يتعايشون معها تعايش الطَّالب البليد في مدرسته ؛ يتخرّج ولا يستفيد، بينما المؤمن المجِدّ المؤمن الحريص يدخل هـٰذه المدرسة المباركة فيأخذ منها دروسًا تربويةً إيمانيةً علميةً تمضي معه في حياته كلها. 
وأضربُ مثالًا من دروس رمضان إضافة إلى ما مضى معنا من دروس: الذي ابتُلي بشُرب الدُّخان ويتناول هـٰذا المضِر الخبيث الذي لا فائدة فيه البتة ، تجده في شهر رمضان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس يمتنع عنه تمامًا ويبتعد عنه تمام الابتعاد ؛ فهـٰذا الابتعاد عنه من طلوع الفجر إلى غروب الشَّمس مع أنه في مثل هـٰذا الوقت ربمّا أنه اعتاد أن يشرب من هـٰذا الدّخان الشيء الكثير لـٰكنه ممتنع ومبتعد عنه تمام الابتعاد ، هـٰذا الابتعاد والامتناع منه في نهار رمضان هو في الحقيقة فرصة له ليمتنع عنه أبد الآبدين ولينتهي عنه تمام الانتهاء ، وكثيرٌ ممن يتعاطَون الدّخان إذا نُصِحوا يعتذر عن ذلك بأنه لا يستطيع تركه ، أليس هو قد تركه في شهر رمضان طيلة أيامِ هـٰذا الشهر الفضيل من طلوع الشَّمسِ إلى غروبها ؟! فهذا درسٌ له يفيده فائدة عظيمة ألا وهي : أنّ باستطاعته ووسعه أن يترك هـٰذا الدُّخان أبدًا وأن لا يتعاطاه مطلقاً ؛ فيستفيد من هذا الشَّهر الكريم العظيم هـٰذا الدَّرس البالغ ، ودروس رمضان كثيرة ، والفوائد التي تُتلقَّى فيه عديدةٌ لا تُحصى .
وعلى ذكر الدّخان تعجب من بعض النّاس غاية العجب عندما يُفطرون على الدُّخان ، يصوم عن المباحات طاعة لله فإذا أذّن المؤذّن بأذان المغرب وفي ذلك إيذانٌ بالإفطار يفطر على الدخان !! يفطر على معصية الله !! ولهـٰذا بعضهم يأتي يصلّي المغرب ويؤذيك برائحة الدُّخان ، حتى إن بعضهم يتمادى في غيّه ويطفئ سجارته عند باب المسجد ، يعني يخرج من بيته وهو يشرب هذا الدخان إلى أن يصل باب المسجد ثم يدخل المسجد برائحته الكريهة؛ فيؤذي المصلِّين ويؤذي الملائكة ويؤذي عباد الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في مكان العبادة والطَّاعة ، فتعجب من مثل هـٰذا الشَّخص النهار كله صائم لا يأكل ولا يشرب ولا يطعم طاعة لله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وما أن يُؤَذِّن المؤذن إلا ويبادر لهذه المعصية ، وشرب الدخان معصية وذنب وإثم وحرام ويُعاقَب على شربه إذا شربه ويحاسبه الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى على ذلك وأدلة تحريمه كثيرة جدا بسَطَها العلماء ، ولهـٰذا تعجب غاية العجب وأيضًا تتساءل كيف لم يستفد هذا من صيامه طول اليوم ؟ من طلوع الفجر إلى غروب الشَّمس وهو لا يأكل ولا يشرب طاعة لله ، وإذا أذّن المؤذن للمغرب بادر إلى شرب هـٰذا الدخان الذي شُربه معصية لله تَبَارَكَ وَتَعَالَى!! ؛ فلهذا فرصة للمدخن وغيره لكل من عنده إسرافٌ أو تقصيرٌ أو إضاعة أو تفريط فرصة له أن يستفيد من هذا الموسم الكريم ومن هذا الشَّهر المبارك ليستفيد من طاعة الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى .
ومن الأمور المهمة التي ننبِّه إليها الإخوة : العناية بكتاب الله جلَّ وعلا ؛ فمن خصائص رمضان وميزاته أنَّ القرآن أُنزل فيه كما قال الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة:185] ؛ فشهر رمضان فيه أُنزِل القرآن ، وكان جبريل عَلَيْهِ السَّلاَمُ يأتي النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شهر رمضان يدارسه القرآن ، فيعرِض النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليه القرآن يقرؤه عليه . 
المسلم ينبغي عليه أن يعتني بكتاب الله عزَّ وجلّ في هـٰذا الشَّهر العظيم الذي هو شهر القرآن ، وكان بعض السَّلف إذا دخل شهر رمضان ترك أكثر أعماله وقال: "إنمّا هو قراءة القرآن وإطعام الطَّعام"، ويقبِلون على القرآن إقبالًا عظيمًا ؛ فمنهم من يختم في رمضان كل يوم ، ومنهم من يختم كلَّ ثلاثة أيام ، ومنهم من يختم كل أسبوع ، ومنهم من يختم كل عشرة أيام، ومنهم من يختم مرَّة واحدة ، ومن النّاس ربمّا أنه يدخل الشَّهر ويخرج وما فتح المصحف إلا مرَّة أو مرَّتين أو ثلاث !! لـٰكنه مُقبِل على أمورٍ أخرى ينظر إليها ويشاهدها واستولتْ على قلبه ، فرمضان فرصة للمسلم ليقرأ فيها كتاب الله ، وليذكر الله ، وليحافظ على طاعة الله جلَّ وعلا.

هـٰذه - أيها الإخوة - كلمة أسأل الله جلَّ وعلا أن ينفعني وإياكم بها، وأن يكتبها في موازين حسناتنا جميعًا، وأن يجعلها حجَّةً لنا لا حجَّة علينا، وأن يُبلِّغنا وإيَّاكم هـٰذا الشَّهر العظيم ، وأن يعيننا وإياكم فيه على الصِّيام والقيام، وأن يجعل أعمالنا فيه وفي كل أوقاتنا له جلَّ وعلا خالصة ولسنة نبيِّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ موافقة، وأن يُصلِح لنا ولكم ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن يصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأن يصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، وأن يجعل الحياة زيادةً لنا في كلِّ خير، والموت راحةً لنا من كل شر، إنه تَبَارَكَ وَتَعَالَى خير مسئول وخير مرجو.

والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

تحميل ملف وورد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.